شوف تشوف : أخي الصاط أختي الصاطة


رشيد نيني


أول كلمة يفتتح بها مغني الراب الشاب المدعو "الخاسر" حفله الموسيقى هو سؤاله في المايكروفون بصوت أجش أقرب إلى الصراخ منه إلى الغناء :
- واش كاين شي صاطات ؟
يقصد واش كاين شي بنات. وفي الحال ترد عليه المراهقات اللواتي يأخذن أماكنهن في الصفوف الأمامية بتلك الصرخات الهيستيرية التي تطلقها عادة المعجبات بمجرد ظهور نجومهن المفضلين فوق الخشبة، وكأنهن يخبرنه بأنهن متواجدات في الساحة صفا مرصوصا للرقص على إيقاع كلماته الخاسرة.
كلمة الصاط والصاطة في معجم مراهقي اليوم تعني البنت والولد، والكلمتين ليستا جديدتين كما قد يعتقد منظمو ربيع الوردة الاتحاديون الذين استدعوا الخاسر لكي يجمع لهم الساطات، بل هي كلمة مغربية قديمة. وأذكر أنني في صغري كنت أسمعها من أفواه الكبار، وكانوا يقصدون بالصاطة المرأة السمينة وبالصاط الرجل الغليظ. كأن يقول الرجل لصديقه الجالس بجانبه على رصيف مقهى :
- شوف شوف على صاطة دايزة من حداك...
أو تقول المرأة لجارتها في الحمام :
- فين شادها هاداك الصاط ديال راجلك هاد ليام...
وربما يرجع سؤال "الخاسر" الدائم عن الصاطات قبل بدأ عرضه هو كونه هو أيضا صاط، وهو يعترف بذلك بدون عقد عندما أطلق على نفسه لقب "البيك" بالإنجليزية والذي يعني بلهجتنا العامية "الغليض".
نحن إذا أمام ثقافة الصاط والصاطة، التي يبدو أنها ستمحو ثقافة الرفيق والرفيقة التي شاعت وانتشرت في السبعينات والثمانيات بين مناضلي اليسار في الجامعات والنقابات والجمعيات.
وأتصور أنه بهذا الشكل سيعوض اليازغي ولشكر والراضي كلمة رفيق وأخ في خطبهم التي يستعدون لإلقائها على مسامع المناضلين في الأشهر القليلة المقبلة استعدادا للانتخابات كلمة الرفيق والرفيقة بالصاط والصاطة. وأتوقع أن يبدأ نداء المواطنة الاتحادي مستقبلا هكذا :
- أخي الصاط أختي الصاطة...
ويبدو أن قادة الاتحاد الاشتراكي هم أول المتحمسين لهذا المعجم الخاسر الذي يريدون بواسطته مخاطبة الشباب وحثهم على المشاركة في الاستحقاقات القادمة. ولبلوغ هذا الهدف غير هؤلاء القادة من طريقة مقاربتهم للفن والثقافة عموما. فقد قالها أحدهم صراحة في مهرجان ربيع الوردة، وأكد على أن الحزب يريد أن يقطع مع لغة التجهم والحزن والتشاؤم والأشواك، ويبحث عن لغة الأمل والفرح والورود وسائر الأحاسيس المشرقة الأخرى.
فلقد انتهى زمن أغاني مثل عايشين عيشة الدبانة فالبطانة، ومجمع العرب نوضو تقلعو، ووفين غادي بيا خويا. فمثل هذه الأغاني المتمردة كانت صالحة فقط خلال سنوات المعارضة، حينما كان بعض وزراء اليوم عايشين فعلا عيشة الدبانة فالبطانة، أما اليوم فكلهم يعيشون في فيلات محروسة في بير قاسم والسويسي وحي الرياض، ومنهم من لم يسمع طنين الدبان منذ عشر سنوات أو أكثر إلى درجة أنه نسي شكله.
اليوم يبحث هؤلاء القادة التقدميون عن لغة أخرى يستطيعون من خلالها مخاطبة هذا الجيل الجديد الضائع الذي ينخرط في جماهير الراب والهيب هوب أكثر مما ينخرط في الأحزاب السياسية.
بالأمس استعملوا أغاني مارسيل خليفة والشيخ إمام وسعيد المغربي وأميمة الخليل وناس الغيوان والمشاهب، واليوم يستعملون الخاسر وبقية الفرق الراب والهيب هوب الأخرى. والهدف واحد لا يتغير، الوصول إلى السلطة والبقاء فيها أطول وقت ممكن.
من هو إذن "الخاسر" الكبير في كل هذه الحكاية. "الخاسر" هو الرابح الحقيقي، لأنه لا يخسر الهضرة في المهرجانات الغنائية التي تدعوه إليها الأحزاب السياسية بالمجان، بل بمقابل مالي سخي. وقد علق أحد المعجبين بالخاسر عندما تأخر هذا الأخير في الصعود إلى الخشبة في ساحة نيفادا قائلا :
- هاد الخاسر غير دار اللعاقة وهوا يضصر...
أما الخاسر الحقيقي في هذه اللعبة فهو الفن والثقافة، لأنهما يستعملان استعمالا مؤقتا من طرف السياسيين يشبه استعمال شفرات الحلاقة جوطابل. بمجرد ما يتعلمون بها الحسانة فريوس ليتامة حتى يرمون بها في
سلة المهملات لكي يتفرغوا لحقائبهم الوزارية ومقاعدهم البرلمانية المريحة.
وأمام هذا الاختيار "الثوري" الذي أقدم عليه قادة الاتحاد الاشتراكي، والقاضي بتغيير ثقافة الالتزام السياسي في الفن بثقافة الخسران، يجب على مفكري الحزب وفلاسفته، إذا كان للحزب من فلاسفة ومفكرين، أن يعيدوا كتابة البيان الأيديولوجي للحزب وفق ما ينص عليه توجههم الثقافي الجديد.
لقد أصبح لحزب المهدي وعمر زعماء شباب جدد يضعون الأقراط في آذانهم وتحت ألسنتهم، لقد أصبح لديهم نجوم جدد لا يستطيعون رفع حتى سراويلهم الفضفاضة فبالأحرى أن يستطيعوا رفع التحدي ضد المخزن.
ويبدو أن كل الوسائل مفيدة في نظر الاتحاد الاشتراكي لدفع الشباب نحو المشاركة في الانتخابات المقبلة، بما في ذلك تحول بعض صحافيي الحزب إلى دعاة يحاولون التشبه بفقهاء ركن المفتي، أو المفتي فالركنة، كما كانت تسميه جدتي. وهكذا بدأنا نقرأ في لسان الحزب، الذي يطول ويقصر حسب المناسبات، أن المشاركة في الانتخابات فريضة وطنية. بقي فقط أن تصدر هيئة الإفتاء التابعة للمكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي فتوى تقضي بإطعام كل متخلف عن التصويت لستين مسكينا. مع أن بعض الاتحاديين، كما حصل في نواحي مراكش، ضبطتهم السلطة يطعمون المئات بمناسبة عقيقة أحدهم، ليس لأن هؤلاء مساكين ولكن لأنهم يطعمونهم استعدادا للحملة. كلشي داك السي اللي جراتو النعجة فالجبل غاديا تخلصو فدار الدباغة.
والحقيقة أننا نشفق على شهداء الحزب وماضيه النضالي عندما نراه اليوم يتسول أصوات الشباب بهذه الطريقة المضحكة التي تجعل زعماءه وأساطينه (ربما هي كلمة مشتقة من الصاط) يجلسون في الصفوف الأمامية في ربيع الوردة ليستمعوا إلى الخاسر ينادي في الميكروفون :
- واش كاين شي صاطات...
لا يسعنا سوى أن نقول لهؤلاء :
- واش باقي عندكم شي وجه...