رشيد نيني:
خود ما جاك

يحكى أن ملكا كان يحكم بلاد واسعة، وذات يوم أراد هذا الملك القيام برحلة برية
طويلة في مملكته. وخلال عودته من الرحلة وجد أن أقدامه تورمت بسبب المشي في الطريق
الوعرة، فأصدر مرسوما يقضي بتغطية كل شوارع المملكة بالجلد. لكن أحد مستشاريه أشار
عليه برأي أفضل، وهو وضع قطعة جلد صغيرة تحت قدمي الملك فقط، فكانت هذه الفكرة هي
بداية اكتشاف نعل الأحذية.
الخلاصة العامة لهذه الحكاية هي أنك إذا أردت أن تعيش سعيدا فلا تحاول تغيير العالم
بكامله، بل اعمل على تغيير نفسك فقط، ومن تم حاول تغيير الأشياء من حولك ما استطعت.
يبدو أن هذه الحكاية ستكون مفيدة لوزير الصحة الشيخ بيد الله، الذي يفتح هذه الأيام
باب مباراة الولوج للعمل في مستشفياته العمومية أمام ثلاثة آلاف طبيب عاطل عن
العمل، والتي بالمناسبة يفكر الكثير من الأطباء العاطلين في مقاطعتها احتجاجا على
قلة المناصب المطلوبة.
فالسيد بيد الله لا يريد من وسط كل هذه الآلاف المؤلفة من الأطباء العاطلين سوى
بضعة عشرات من الأطباء. طبعا لن يكون بينهم ابنه المصون، ببساطة لأن هذا الابن
المحظوظ لم ينتظر لكي يجتاز المباراة مع أبناء الشعب وينتظر مثلهم صدور لائحة
الفائزين الذين تحتفظ لهم مصالح الوزارة بمقلاع جاهز لكي تطوعهم للعمل في
المستوصفات المعلقة في الجبال. فابن وزير الصحة المصون وجد وظيفة في مستشفى الشيخ
زايد، مع أن رقم تأجيره تابع لوزارة الصحة وراتبه يأخذه من الدولة. مثله مثل بعض
البروفسورات والأطباء بالمستشفى الذين يتسلمون رواتبهم من الدولة لكي يشتغلوا في
مستشفى خصوصي لا يدفع حتى ضرائبه للدولة.
وربما كانت هذه مجرد مصادفة، خصوصا إذا عرفنا أن الشيخ بيد الله ليس سوى رئيس مجلس
إدارة مستشفى الشيخ زايد. فالشبه بين الرجلين في الاسم ربما يكون وراء هذه المصادفة
السعيدة. إذا التقى الشيخان...
لو أن وزير الصحة في دولة ديمقراطية يرأس مجلسا إداريا لمستشفى ويوظف فيه ابنه
المتخرج حديثا، بدون أن يمر هذا الابن بالمسار الوظيفي الطبيعي الذي يمر منه كل
الأطباء من أبناء الشعب، لوجد هذا الوزير نفسه مضطرا لتقديم استقالته، فالصحافة
ستعتبرها فضيحة كبيرة ولن تطالب بأقل من أن يضع الوزير حقيبته الوزارية ويذهب إلى
حال سبيله. لكن بما أننا في أجمل بلد في العالم، فعوض أن يعطي وزير الصحة المثال
لأطباء المغرب ويرسل ابنه للعمل في نواحي خنيفرة حيث يموت الأطفال يوميا بسبب
انعدام الدواء و الأطباء، فضّل هذا الأخير أن يتركه يتدفا بجانبه قريبا من البيت،
حتى لا يقاسي برودة الطقس في أعالي الأطلس. فالظاهر في هذا البلد أن أبناء بعض
الوزراء والمسؤولين الكبار لا يسري عليهم ما يسري على أبناء الشعب من واجبات.
وشخصيا لست أعرف أين سيخفي وزير الصحة وجهه هذه الأيام، هو الذي صرح في الجزيرة و
القناة الثانية و الأولى أن ضحايا خنيفرة لا يتجاوزون أحد عشر قتيلا. وها نحن نسمع
اليوم عن وفاة طفلة جديد في دوار أنفكو و رضيع بأزيلال وأختين بنواحي بني ملال.
والحقيقة أن الصحافيين هذه الأيام يجدون أنفسهم مضطرين لتعلم جدول الحساب من جديد،
لأن الشيخ بيد الله و السلطة المحلية أتونا بعلم حسابي جديد لا قبل لنا به، ونسوا
أن اللي حسب بزاف كايشيط ليه. فالسلطة تقول أن الوفيات لا تتعدى 13، والشيخ يقول
أنها لا تتعدى 11، وشواهد قبور الضحايا التي لا تكذب تقول أنهم وصلوا إلى 31 طفلا.
فهل سينتظر سعادة الوزير حتى تفنى هذه الدواوير بالكامل لكي يعلن حالة الطوارئ في
مصالح وزارته ويقرر إجراء تشريح على جثث الضحايا لكي يعرف السبب الرئيسي في وفاتهم.
هو الذي يجزم بأن الوفاة ليس وراءها وباء و إنما البرد فقط ولنفترض جدلا أن البرد
هو المتهم الرئيسي في هذه الجريمة ضد الإنسانية، ألا يستمع بيد الله إلى النشرة
الجوية هذه الأيام، ألم يسمع أن درجات الحرارة ستشهد انخفاضا كبيرا في الأيام
المقبلة. ألا يستحق هذا الخبر أن يعجل بتنظيم قافلة طبية متكاملة مجهزة بالأدوية
للكشف على صدور كل هؤلاء الأطفال الأبرياء الذين خرب المرض رئاتهم و قصباتهم
الهوائية.
لنترك ابن وزير الصحة المصون جانبا و لنتحدث قليلا عن الابن المصون لوزير المالية
السيد فتح الله والعلو. المهندس الذي فاز قبل سنتين بصفقة إعادة ترميم مدينة وليلي،
رغم أنه حديث التخرج و مكتبه لا يوجد حتى بالمغرب و إنما بحي راق بباريس.
بما أن وليلي تدخل في إطار التراث العالمي الذي تشرف عليه اليونسكو مباشرة، فقد زار
مدير هذه المنظمة الورش قبل أسابيع لكي يطمئن على سير الأشغال فماذا وجد؟
ببساطة وجد أن الأماكن الأثرية التي هدمت في مدخل المدينة لكي يعاد بناؤها من جديد
لا تتناسب هندسيا مع المطلوب، فغضب المدير و أمر بهدم كل ما بناه ابن وزير المالية
وإعادته إلى حالته الأولى. وطبعا مع كل حجر تحطم تحطمت ميزانية بملايين الدولارات.
لكن لا يهم، بما أن ابن الوزير هو الذي أخطأ فكل شيء يهون. ولو أن الخطأ ارتكبه
مهندس من أبناء الشعب لشطبوا اسمه من هيئة المهندسين إلى الأبد.
أبناء الذوات و العائلات الكريمة في المغرب لا يؤاخذون بأخطائهم، و أحيانا حتى
بتهمهم. و بالأمس فقط تقدم البرلماني يوسف التازي ابن البرلماني وعضو اللجنة
التنفيذية لحزب الاستقلال عبد الحق التازي، بطلب إلى مكتب المستشارين لتوقيف
المتابعة ضده أمام القضاء بعدما ثبتت مشاركته الى جانب عبد الرزاق أفيلال في ما
يعرف بملف مشروع الحسن الثاني.
وعوض أن يرفض السي عكاشة رئيس مجلس المستشارين هذا الطلب ويقول لابن عبد الحق
التازي المصون أن البرلمان لا يتدخل في سير القضايا المطروحة أمام العدالة، قبل
طلبه على الفور، بل وأحاله على لجنة العدل و التشريع بالمجلس، التي، ويا للمفاجأة
السعيدة، يرأسها استقلالي آخر.
فيبدو أنه في هذه البلاد اللي دا شي حاجة داها وكية اللي جات فيه والسلام. والدليل
على ذلك هو الحكم الذي صدر في حق العامل السابق عبد العزيز العفورة الذي يقضي بسجنه
عشر سنوات بدون مطالبته بإرجاع الملايين التي اختلس من أموال الشعب.
أسيدي كون جيتو عليا أنا حكمو عليه بالبراءة، غير يرد الفلوس اللي سرق والله يسامح.
ومؤخرا حلت بالمستشفى العسكري لجنة رفيعة المستوى للتحقيق في ما أصبح يعرف بقضية
المدير الذي تم إعفاؤه من إدارة المستشفى بسبب الاختلالات التي عرفتها المؤسسة في
السنوات الأخيرة. ويتحدث البعض عن اختلاسات تقدر بملايير السنتيمات. فهل سيفتح
تحقيق في القضية أم أن منطق خود ماجاك سيظل هو السائد؟
وبما أننا بدأنا بحكاية دعونا ننهي عمود اليوم بحكاية ثانية. يحكي أن رجلا أعمى جلس
على عتبات احدى العمارات واضعا قبعته بين قدميه وبجانبه لوحة كتب عليها "أنا أعمى
ساعدوني أرجوكم" فمر به رجل وألقى نظرة على قبعة الأعمى فلاحظ أن بداخلها بضعة قروش
فقط ودون أن يستأذن الأعمى أخذ اللوحة و أضاف إليها بعض العبارات وأعادها إلى
مكانها ومضى في طريقه. عندما وضع الأعمى يده داخل قبعته لاحظ أنها امتلأت بالقروش و
الأوراق النقدية، فعرف أن شيئا قد تغير في لوحته التي يضعها أمامه، فسأل أحد المارة
أن يقرأ له ما هو مكتوب في اللوحة، فكان كالآتي: "نحن في فصل الربيع، لكنني لا
أستطيع رؤية جماله".
خلاصة الحكاية هي: غير وسائلك عندما لا تسير الأمور كما يجب.
لا أعرف، لكن ربما تفيد هذه الحكاية الحكومة في شيء. هذا إذا وجد بعض وزرائها الوقت
للقراءة...أبناء أبناء بعض الوزراء والمسؤولين الكبار لا يسري عليهم ما يسري على
أبناء ويبلالةقسمك
www.ait-ourir.com